200 ألف مكالمة علّمتني: كثرة الاتصالات لا تصنع صفقات
في أول وظيفة مبيعات لي، قال لي المدير في اليوم الأول: "هذه وظيفة بسيطة. كل ما عليك فعله هو أن تنافس زملاءك في عدد المكالمات الباردة التي تجريها خلال اليوم، وصاحب الرقم الأعلى سيحصل على مكافأة مالية."
بدأت بالاتصال، مكالمة تلو الأخرى، ساعتين متواصلتين بلا توقف، ثم استراحة قصيرة، ثم أعود من جديد. هكذا كان يومي المكوّن من تسع ساعات عمل. وفي اليوم السادس، فزت بالمكافأة: 365 مكالمة في يوم واحد.
احتجت قرابة سبع سنوات في المبيعات لأدرك أن معظم تلك المكالمات كانت مضيعة للوقت.
لماذا يقيس المدراء عدد المكالمات؟
عدد المكالمات من أبرز المعايير التي يُقيَّم عليها موظف المبيعات، والسبب بسيط: من السهل قياسه. لوحة بيانات (Dashboard) وسجل مكالمات، وتعرف فوراً من "يعمل" ومن لا يعمل.
ولنكن منصفين: التركيز على عدد المكالمات أمر أساسي في بداية الطريق. هذه الممارسة تبني شخصية البائع، وتعلّمك كيف تتعامل مع الرفض المتواصل، وتمنحك صلابة نفسية كانت بالنسبة لي من أهم التجارب التي صنعت شخصيتي اليوم.
لكنها تتوقف عن العمل بعد ذلك.
الانشغال ليس إنتاجية
بعد مرحلة البداية، يصبح عدد المكالمات مجرد وهم يقتنع به البعض ليشعر بالإنتاجية، أو ليرفع اللوم عن نفسه.
كنت أجري أكثر من 350 مكالمة يومياً، باستمرار، دون تأثير حقيقي. أما الأيام التي صنعت فيها فرص بيع حقيقية، فكنت أجري فيها قرابة 15 مكالمة فقط.
الفرق لم يكن في الجهد. كان في السبب.
كل مكالمة يجب أن يسبقها حدث
مكالمة البيع الجيدة تأتي دائماً بعد تغيير ما، وهذا ما يمنحها سبباً واضحاً.
مثال: العميل عيّن مدير مبيعات جديداً، وخدمتك مرتبطة بعمليات المبيعات (Sales Operations). هنا لديك سبب حقيقي للتحدث معه الآن، لا الشهر القادم ولا الشهر الماضي.
وفي الشرق الأوسط، والخليج تحديداً، هذا ليس تفصيلاً. إذا اتصلت دون صلة بواقع العميل الحالي، فأنت لا تضيّع وقتك فقط، بل تضيّع وقت الجميع، وقد تخسر الباب قبل أن يُفتح.
قبل أن تتصل: ثلاثة أسئلة
١. لماذا الآن؟ ما الذي تغيّر بالنسبة له؟ في السوق؟ في العالم؟ السبب الحديث، الطارئ، هو ما يجعل المكالمة في وقتها.
٢. لماذا هذا العميل تحديداً؟ خدمتك لا تصلح للجميع. صُمّمت لشركات بمواصفات معيّنة، تعاني من مشكلات محددة. هل هذا العميل منها؟
٣. لماذا أنا؟ ما الذي يجعلني مؤهلاً لهذه المكالمة؟ ما الذي أعرفه ويجهله العميل؟
إذا لم تملك إجابات عن هذه الأسئلة، لا تتصل الآن. ابحث عنها أولاً.
مكالمة واحدة ذات صلة أفضل من 100 مكالمة عشوائية.
عندما يكون لديك سبب، المتابعة ليست إزعاجاً
حين يسبق كل مكالمة بحث وجمع معلومات، تبني قصة لكل عميل، وتتكوّن لديك قناعة بأن هذا الشخص يجب أن يتحدث معك، لما تحمله من قيمة له ولشركته.
هذه القناعة هي ما يدفعك للاستمرار. إن لم يرد اليوم، سيرد لاحقاً. أغلقت مؤخراً صفقة مع عميل بعد أكثر من ثلاثة أشهر من المحاولة المتواصلة.
عندها تدرك أن المتابعة ليست إزعاجاً للعميل، بل هي في مصلحته، لأن حاجته لمنتجك أو خدمتك أقوى من حاجتك للصفقة.
رسالة إلى مدراء المبيعات
غيّروا طريقة قياس أداء فرقكم. بدلاً من "كم مكالمة أجريت اليوم؟"، اسأل عن مكالمة واحدة:
لماذا هذا العميل تحديداً؟
ما الذي جعله هدفاً يستحق الوصول إليه؟
ما حجم المعلومات التي جمعتها عنه قبل الاتصال؟
الاستثمار في رفع الأرقام وحدها ينتهي دائماً بتكلفة أعلى لكل اجتماع (Cost per Meeting).
200 ألف مكالمة علّمتني أن اللعبة ليست "كم مكالمة أجريت"، بل "كم مكالمة كان لديك سبب قوي لإجرائها".
فكّر في أفضل مكالمة بيع أجريتها في حياتك: ما الذي جعلها في وقتها؟