كان الاجتماع الثاني مع ذلك العميل المحتمل. استعرضت له منتجي وكيف يمكن أن يوفّر عليه جهداً كبيراً وموارد مالية ضخمة، وفي نهاية المكالمة عرضت التكلفة الإجمالية مع خصم 15% ينتهي خلال 10 أيام!

طلب مني إرسال كل هذه المعلومات عبر الإيميل وقال: "إن شاء الله خير، بشوف وبرجعلك"… ولم أسمع منه مجدداً.

كثيراً ما نسمع نصيحة ABC "Always Be Closing" في عالم المبيعات، والكثير منا اعتبرها منهجاً للفوز بالصفقات. فنحن دائماً ندفع العميل نحو الـ checkout، وننظر إلى الرحلة من طرف واحد، ونتوقع أن العميل بمجرد أن يرى قيمة المنتج يجب أن يتخذ قرار الشراء. لكن واقع البيع للمؤسسات ليس بهذه السهولة.

ما الذي يدفع موظفي المبيعات للتركيز على إغلاق الصفقة بدلاً من حالة العميل؟

ضغط التارجت. موظف المبيعات تحت ضغط مستمر يتجدد كل شهر وكل ربع، فيذهب للحديث مع العميل بعقلية "أريد هذه الصفقة لأحقق التارجت". هذا التفكير منطقي، ففي النهاية على فرق المبيعات أن تحقق إيرادات تحافظ على بقاء الشركة. لكن هذه العقلية تحجب رؤية واقع العميل.

وهذا ما يجعل الكثير من الشركات ترفض مكالمات البيع: لأنها لا تركز عليهم أصلاً، بل تقوم على وعود قد تبدو غير منطقية، يليها طلب شراء. ببساطة، التجربة ليست مثيرة للاهتمام.

الشركة عندما تدرس قرار الشراء تأخذ في عين الاعتبار عوامل كثيرة قد يغفل عنها البائع:

هل يتطلب هذا القرار قرارات أخرى؟

هل علينا تغيير آلية معينة للاستفادة من هذا المنتج؟

هل هذا أولوية لنا الآن؟

ما الضرر من عدم المضي في هذا الاستثمار؟

نادراً ما تُشارَك هذه الأسئلة مع البائع. والبائع المحترف هو من يتطرق لها خلال رحلة البيع، فيبني تصوراً كاملاً عن الوضع الذي يطمح له العميل، ويصل معه إلى استنتاج أن تكلفة عدم الشراء أعلى بكثير من قيمة المنتج.

رحلة البيع

رحلة البيع يجب أن تكون ممتعة قبل أن تكون مفيدة. هي رحلة اكتشاف للطرفين: العميل يتعلم شيئاً جديداً في كل مرحلة، وموظف المبيعات يصل إلى وعي أعمق بالسوق وتحدياته.

في كل خطوة تُتبادل خبرات وقيم، وهذا ما يجعل العميل حريصاً على الاستمرار أكثر من البائع نفسه، لأن الخطوة التالية دائماً تحمل فضولاً: "ماذا لو؟"

هنا يصبح العميل والبائع في مركب واحد، يتجهان إلى نفس الطريق ويساعد كل منهما الآخر. وهذا يزيل الضغط تماماً عن العميل، فهو لم يعد يجلس أمام طرف يطالبه بقرار لم يقتنع به بعد، بل يرافقه في رحلة تعلّم.

القيمة المتبادلة هي أساس البيع. وفي البيع للمؤسسات غالباً ما تكون القيمة غير واضحة للعميل في البداية، وهنا دور رجل المبيعات: أن يضع نفسه مكان العميل وداخل فريقه، ويساعده على الوصول إلى أفكار جديدة، لا أن يطرح عليه أفكاراً جاهزة ويدفعه لقبولها. فإذا كنت تبيع لجميع عملائك بنفس الطريقة، فعليك أن تراجع نفسك.

ماذا تفعل بدلاً من ذلك؟

١. أعطِ قبل أن تطلب: ركّز دائماً على إعطاء العميل قيمة في كل لقاء وكل اتصال. لا تجعل منتجك أو خدمتك محور النقاش، بل ركّز جهودك على المشكلة التي يواجهها، لا على الحل.

٢. اسأل ولا تفترض: لا تدخل بفرضية أن العميل يعاني من كذا وكذا، بل مهّد له الطريق ليحدّثك هو عن مشاكله، واستمع بهدف الفهم لا بهدف الرد.

٣. اقفل الخطوة التالية، لا الصفقة: في كل لقاء مع العميل، اقترح عليه خطوة قادمة تحمل قيمة تستحق لقاءً آخر. لا تجعلها تبدو خطوة كبيرة يجب أن يخطوها، بل بادر باقتراح خطوات صغيرة تساعده على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

لو عدت إلى ذلك الاجتماع اليوم، لما عرضت الخصم ولا المهلة، وكنت سأسأل: "ما الذي يجب أن يحدث داخل شركتكم حتى يكون هذا القرار سهلاً؟"

ربما لم أكن سأغلق الصفقة ذلك اليوم، ولكني على الأقل لم أكن سأسمع "برجعلك" للمرة الأخيرة.