خلال عملي كمدير إقليمي لإحدى الشركات الراغبة في دخول السوق السعودي، كنت أحاول الوصول إلى «يوسف»، المدير التنفيذي لإحدى الشركات السعودية، لأتحدث معه عن تحدياته وفرص التعاون.

تجاهلني يوسف أكثر من 6 أشهر. جرّبت كل شيء دون فائدة. وحين سافرت إلى مدينته، لاحقت سكرتيره حتى حجزت الاجتماع، وبالفعل حدث. وفي نهاية اللقاء قال لي:

«تميم والله ما أقدر أشكرك كفاية، فعلاً احنا كنا محتاجين هذا الشي فوق ما تتخيل.»

وبعد هذا الاجتماع، أبرمنا شراكة مع يوسف استمرت سنتين.

محاولتي للوصول إلى يوسف لم تكن مطاردة، بل كانت اختيارًا. تعمّقت في مشاكل يوسف وشركته حتى أصبحت شغوفًا بالتحول الذي أستطيع أن أحققه لشركته، وهذا ما دفعني للاستمرار.

فخ المسار الممتلئ

بيع المؤسسات في الخليج يحتاج إلى صبر. العميل قد يبقى شهورًا بلا قرار، ولن يمنحك رفاهية الرفض المبكر، بل سيماطل حتى تفقد الأمل.

وهذا ما يدفع موظفي المبيعات إلى مطاردة أكبر عدد ممكن من الصفقات في وقت واحد، متمسكين بنظرية «أكيد واحد بيظبط». والنتيجة:

التركيز يتلاشى شيئًا فشيئًا.

المسار (Pipeline) ممتلئ ولكن بلا جدوى.

المتابعة مع الجميع متشابهة وروتينية، وتكاد تكون مملة.

ما الذي يدفع الفرق للاحتفاظ بفرص بيع سيئة؟

١- الشعور بالإنجاز إذا لم تغلق صفقة خلال آخر شهر أو شهرين، لكن مسارك ممتلئ، فسيشعرك ذلك أنك قريب جدًا من الفوز. هناك ثلاثون أو أربعون صفقة كلها في مرحلة «بنتشاور ونرجعلك»، فيبدو كسب إحداها أمرًا وارد جدًا. كل ما عليك هو تذكيرهم بمنتجك من وقت لآخر، وإضافة فرص جديدة بين حين وآخر، وانتظار أن يحدث الخير.

٢- تصوّر النجاح عند الإدارة كثير من مدراء المبيعات، حين يصعب تحقيق الأرقام، يلقون خطابات عن أهمية بناء مسار ضخم يرفع احتمالية الفوز. هم لا يتعمقون في كل صفقة، بل ينظرون إلى حجم المسار الكلي. وكلما كبر الحجم ظنّوا أنهم على الطريق الصحيح، وأن المسألة مسألة وقت فقط.

وهذا الفخ صار أخطر اليوم

بيع المؤسسات، خصوصًا في مجال SaaS، أصبح أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. أغلب الشركات تنافس الآن في استخدام الذكاء الاصطناعي وبناء حلولها داخليًا دون الحاجة إلى مورّد. الجميع أصبح يدرك إمكانات أدوات مثل Claude وCopilot لحل مشاكله الداخلية وتجنب دفع رسوم لمنصات خارجية.

ما يعني أن العميل لم يعد يحتاج رسالة متابعة روتينية أخرى. هو يحتاج من يفهم مشكلته أكثر مما يفهمها هو.

ما الحل أمام فرق المبيعات؟

الحل يبدأ بتغيير عقلية البيع ونظرتك للعميل الجديد. كل شركة تحاول الوصول إليها لديها مشاكل عدة، قد تشاركها معك وقد لا تشاركها. وما عليك فعله:

تقمّص دور المستشار المختص في إحدى هذه المشاكل.

ابدأ بالحديث عن المشكلة قبل الحديث عن الحل (منتجك).

تعمّق في دراسة كل عميل بشغف حتى تصل إلى وعي عالٍ بالمشكلة وتأثيرها عليه الآن وعلى المدى البعيد.

بادر باقتراح حلول وطرق للتعامل معها، حتى لو لم تؤدِّ إلى شراء منتجك.

في كل متابعة، ضع على الطاولة شيئًا جديدًا.

أنت هنا لست رجل مبيعات يفرض منتجًا، بل عضو في فريقهم تبحث معهم عن حل. وفي كل متابعة تمنحهم سببًا يجعلهم يتوقفون قليلًا ويقولون: «همم، فكرة والله». هنا تكتسب ثقة العميل، لأنه صار يعلم أنك تضع مشكلته فوق كل اعتبار.

قد لا يشتري منك اليوم، لكن عندما يحين الوقت، صدّقني، لن يذهب إلى غيرك.

ما العائق الأكبر أمام هذا النوع من البيع؟

قبول جميع الفرص على أنها تستحق المتابعة.

لتتمكن من التعمق في مشاكل عملائك، عليك العمل على عدد قليل من الصفقات في الفترة الواحدة. مثلًا: خلال هذا الشهر، ضع هدفًا بالتعمق في 10 عملاء محتملين فقط، وضع معايير لاختيارهم. لن تقبل أي فرصة، لأن بعضها مجرد تشتيت بلا جدوى. ستختار عملاءك بنفسك بحسب المشاكل التي يحلها منتجك.

ثم تبدأ رحلة التنقيب في كل عميل بدافع الفضول، وتبحث عن الثغرات التي تكشف تفاصيل مشكلته. عندها يتشكل لديك تصور دقيق للتحول الذي يستطيع منتجك أن يصنعه، وللمنفعة التي سيجلبها له.

وإذا وصلت إلى هذه المرحلة، لن تملّ من المتابعة، لأنك موقن أنه يحتاجها أكثر مما تحتاج أنت الصفقة.

تمرين للأسبوع القادم

حدّد 5 معايير لعميلك المفضّل.

افتح مسار مبيعاتك (Sales Pipeline) وأغلق أي فرصة لا تجتاز اختبار المعايير الخمسة.

ركّز بشدة على الفرص المتبقية لمدة أسبوعين.

دوّن ملاحظاتك طوال التجربة.

الخلاصة

يوسف تجاهلني قرابة 6 أشهر، وفي النهاية كان هو المستفيد. لم يشكرني لأنني أصررت، بل لأنني فهمت مشكلته أكثر مما فهمها هو. اختر عملاءك، وتعمّق فيهم، وسيصبح الإصرار أسهل شيء في عملك.