تحدثنا في الهاتف لبضع دقائق، ثم اوقفني فيصل قائلا: " تميم عندكم منتج رائع، لكن ما يناسبنا في الوقت الحالي، شكراً على التواصل مضطر ادخل اجتماع الان، في امان الله." وانهى المكالمة .
لم اتعجب من رغبة فيصل في انهاء المكالمة، فهذا شيء معتاد خلال المرحلة الاولى من دورة البيع (مرحلة التنقيب) ولكن ما اثار اعجابي ان فيصل قدّم ادعاء في وقت مبكر جداً وكان متمسكاً به (ما يناسبنا) دون الخوض في تفاصيل المشكلة التي يحلها المنتج من الاصل، عذراً فيصل ولكن انا لن اقبل هذا الادعاء الذي لا مبرر له.
بدأت بالتنقيب اكثر واكثر عن فيصل وشركته، واكتشفت ان منتجي لن يضيف قيمة لفيصل فحسب، بل سيحل ازمة ازلية لدى فيصل، مما جعلني متمسكاً جداً بلقاء فيصل والتحدث معه. استمريت في محاولتي للحديث معه لأكثر من ٧ اسابيع دون جدوى، فأيقنت اني لن استطيع الوصول اليه الان عبر الهاتف او الواتساب، فتوقفت عن المحاولة لبضع اسابيع، وأثناء زيارتي الى الرياض لمقابلة بعض العملاء المحتملين، تذكرت فيصل وتذكرت ان هذه مدينته، لم اتصل، به فقط ارسلت هذه الرسالة: "مرحبا فيصل، انا في الرياض الى نهاية الاسبوع، وين افضل مكان قهوة بالنسبة لك؟ اذا متاح خلينا نلتقي.."
خلال دقائق جائني الرد من فيصل: "الرياض نورت، خلينا نشوفك بكرة المسا باذن الله."
التقيت بفيصل وتحدثنا لمدة ساعتين عن اشياء عديدة، وسار بنا الحوار الى شركته والتحديات التي يواجهها والمشاكل التي تؤرقه يومياً، ثم بدأت بالتحدث عن منتجي وكيف يمكنه ان يحقق كذا وكذا.. اصيب فيصل بالذهول لما يحمله المنتج من قيمة ملموسة وحل واضح لبعض المشاكل التي يعاني منها، وبالفعل بدأنا المفاوضات وحقق هذا اللقاء الودي اكثر من ٨٠ من رحلة البيع.
بيع المؤسسات في الشرق الاوسط يقتصر على دائرة المعارف بنسبة كبيرة جدا، ولكن هذا لا يجعل منه سوقاً حصرياً، لأن دائرة المعارف ليست دائرة مغلقة لأشخاص محددين، بل هي تتسع الجميع، ما يجب عليك ادراكه هو ان بناء العلاقة في هذه المنطقة لا يكون بعد رحلة البيع او حتى أثناءها، بل قبلها، اذا لم يكن لديك معرفة قوية بهذا الشخص فسيكون من الصعب ان تجعله عميل.
عندما تعلمت هذا الدرس تغيرت نظرتي لكل شيء اقوم به، فا انا لا اقوم بمكالمات باردة لبيع منتج، انا اتصل لمقابلة اشخاص جدد، اصبح فضولي بمعرفة من اتصل اقوى من رغبتي في البيع، هنا تغيرت اللعبة بالنسبة لي، فأصبحت انظر الى كل مكالمة حقيقية على انها ربح في حد ذاتها، فان لم اغلق الصفقة الان، فقد اغلقت العلاقة.
ما يقوم به الكثير من موظفين المبيعات في هذه المنطقة هو محاولة جذب العملاء من خلال مبدأ "لسنا الوحيدين ولكننا الأفضل" هذا المبدأ يكاد يكون عديم الفائدة عندما يتعلق الامر بالمبيعات الاستباقية، حيث ضجيج الرسائل وصخب المكالمات وفوضى الايميلات، هنا منتجك لا قيمة له لان العميل لن تسنح له الفرصة بالنظر اليه والى تفاصيله، فهو بالنسبة له: مكالمة بلا طعم، ورسالة نصية مزعجة، وبريد الكتروني محذوف.
ما الذي يصنع الفارق؟
انت، نعم انت، شخصيتك، ابتسامتك، اسلوبك، اخلاقك، فضولك، هذا ما يجذبه للتحدث معك، للقائك، لمعرفتك انت اولاً، ثم منتجك او خدمتك ثانياً، عندما اقابل العميل المحتمل لأول مرة، هو اصلاً لا يتذكر ما تحدثنا عنه عبر الهاتف، ما يتذكره انه كان متقبلاً للمحادثة وغير ممانع من تكرارها، هنا تسنح لك الفرصة من معرفة مشاكله ونصحه بكيفية حلها معك، هنا تبنى العلاقة وتكتسب الثقة.
هل التقيت بفيصل خلال رحلتك وفقدت الأمل في العمل معه؟ هل قمت بمعرفته اولاً عوضاً عن شركته؟