بعد ساعة ونصف من مراجعة فرص الصفقات لدى الفريق كله (Pipeline Review)، قال محمد المدير لأحد موظفي فريق المبيعات:

"جاسم، ما الذي يمنعك من إغلاق الصفقة مع العميل X؟"

رد جاسم في توتر:

"العميل غير مقتنع بالسعر"

رد المدير بثقة:

"اتصل له الحين وقوله سعرنا الأفضل في السوق."

تعجبت من رد المدير، وانتظرته يقول إنها فقط مزحة، ثم ينصح جاسم بأفضل طريقة للاستجابة لهذا الاعتراض. لكنه لم يفعل.

فسألته: "محمد، متى آخر مرة أجريت مكالمة بيع؟"

فسكت قليلاً، ثم أجاب: "قبل خمس سنوات يمكن."

هذه السكتة أجابت عن سؤالي.

ماذا ستكون إجابة مديرك إذا سألته نفس السؤال؟

المعرفة والمهارة: شيئان مختلفان تماماً

أنا أعلم جيداً كيف تطير الطائرة، لكني لا أملك المهارة لقيادتها بنفسي.

في مجال بيع المؤسسات، خصوصاً في الوطن العربي، الأغلب يتجه نحو تفضيل المعرفة على المهارة، خصوصاً في المناصب الإدارية لفرق البيع. والسبب بسيط:

من السهل أن تقيس معرفة شخص ما

لكن قياس مهارته يتطلب مهارة في حد ذاته، ونظرة فنية قد لا يملكها مدير التوظيف

فيكون الحل الشائع هو النظر في السيرة الذاتية للمترشح، وإجراء بعض الجولات لتقييمه، وسؤاله بعض الأسئلة العامة عن إدارة خط المبيعات (Pipeline Management) والتنبؤ (Forecasting)، ثم اتخاذ قرار توظيفه ليتولى قيادة فريق المبيعات.

لكن هل هذا يكفي؟

من الذي يجب أن يختار المدير؟

توظيف مدير مبيعات لا يجب أن يكون حسب احتياج إدارة الشركة لهذا المنصب لإدارة الفريق ونقل التقارير، بل يجب أن يكون حسب احتياج فريق المبيعات نفسه لهذا المنصب.

هل سبق لك، كموظف مبيعات، أن استشارتك الإدارة عن رغبتها في تعيين مدير لك، وسألتك ما الذي تبحث عنه أنت كرجل مبيعات في مديرك؟

أنا شخصياً لم أشهد هذا قط خلال رحلتي في آخر عشر سنوات.

وجهان لعملة واحدة:

في مجال بيع المؤسسات، المهارة والمعرفة وجهان لعملة واحدة. لكن المهارة لا تُكتسب في يوم وليلة كما المعرفة؛ فهي تتطلب ممارسة مستمرة لتقترب من درجة الإتقان.

لذلك من البديهي أن تُفضَّل المهارة على المعرفة في أغلب الأحيان في هذا المجال تحديداً. فمن السهل أن أقول لك: يجب أن تبني خط مبيعات قوي (healthy pipeline) — لكن ليس من السهل أن أقول لك كيف.

"فاقد الشيء لا يعطيه."

يمكنك تعلّم نصيحة مفيدة في المبيعات ونقلها إلى فريقك خلال ساعة. لكن هل تستطيع تعلّم مهارة جديدة، وتدريب فريقك على القيام بها، في نفس الساعة؟

تخيل نفسك مدير مبيعات: ما الأكثر فاعلية لنجاح فريقك؟

مدى المعلومات التي يملكها الفريق عن عالم المبيعات؟

أم إتقانهم لكل مرحلة من مراحل البيع، عبر آلاف المحاولات الفعلية؟

إن كنت تفضّل الخيار الثاني، فكيف لقائد الفريق أن يُلهم فريقه لإتقان شيء هو بالكاد يستطيع فعله؟

المهارة تصدأ

مهارات البيع مهارات متغيرة: المنتجات تتغير، الشركات تتطور، وسلوك العملاء يختلف من وقت لآخر.

فإن كنت توقفت عن إجراء مكالمات بيعية منذ 10 سنوات، مدّعياً أن لديك خبرة 15 سنة — يؤسفني أن أقول لك: خبرتك أصبحت خبرة سنة واحدة، تكررت 15 مرة.

فخبرة المبيعات هي خليط بين معرفتك بأساسيات رحلة البيع، ومهارتك الحديثة في تطبيقها عاماً بعد عام.

العودة إلى جاسم

عميل جاسم على مستوى عالٍ من الوعي بالسوق الحالي، وباحتياجاته وإمكانيات شركته. فمجرد جملة "سعرنا الأفضل في السوق" لن تكون العصا السحرية التي تدفع الصفقة إلى closed won.

السوق أصبح أكثر شراسة من أي وقت مضى، والعميل لديه أولويات قد تكون هذه الصفقة آخرها — إذا كانت أصلاً ضمنها.

هنا، كمدير مبيعات، يجب أن تتولى القيادة، وترشد جاسم إلى إطار عملي يساعد العميل على اتخاذ القرار.

على سبيل المثال، من واقع تجربتي، طوّرت نموذجاً بسيطاً للتعامل مع أي اعتراض، اختصاره LAIAA:

Listen — استمع

Acknowledge — تفهّم

Isolate — اعزل

Associate — اربط

Ask — اسأل

لأن أغلب اعتراضات العملاء هي غطاء لاعتراضات أخرى. فالتعامل معها كأنها العقبة الوحيدة في حد ذاتها فرضية لا جدوى منها.

فعندما يقول العميل "السعر غالي" — ماذا يقصد بالضبط؟

هل هو غالٍ مقارنة بشركة أخرى؟

هل منتجي لا يقدّم القيمة التي يحتاجها الآن؟

هل ميزانية شركته في وضع حرج؟

هناك أسباب عديدة قد تكمن وراء هذا الاعتراض. وتفكيكه، وتوفير بيئة آمنة للعميل ليشاركك الأسباب الخفية، يحل 90% من المشكلة.

فالاعتراضات لا تحتاج إلى إجابات، بل تحتاج إلى فهم.

الفائدة تعمّ على الجميع

المدير يستفيد من الممارسة، وجاسم يستفيد من الخبرة، والعميل يستفيد من الاستشارة.

فالخبرة بدون ممارسة، هي ليست خبرة، بل مجرد ذكرى.